صاحب اخويا اتجوزنى

قرب مني وقعد جنبي، ومسك إيدي وقال بحنية مصطنعة بقيت كاشفاها ومقززة بالنسبة لي: ـ مالك يا أميرة قلبى؟ ساكتة ليه؟ عامله ليا أكل إيه النهاردة يا هانم؟ بصيت لإيده اللي ماسكة إيدي، وقولتله بنبرة هادية جداً: ـ مفيش يا حبيبي، تعبانة شوية فمعملتش أكل.. قولت نطلب دليفري زي ما بتعمل دايماً لما رؤوف ومراته بيجوا. أول ما نطقت اسم “مراته”، شفت ريأكشن وشه اتخطف في جزء من الثانية، عينه رشت يمين وشمال وسحب إيده ببطء وهو بيطلع موبايله من جيبه وقال:

ـ أه.. تمام، ولا يهمك يا حبيبتي متتعبيش نفسك.. أنا هكلم المطعم. وهو بيفتح الموبايل، لقطت الشاشة.. كانت قفل الشاشة برقم سري جديد! هو غير الباسورد! الحركة دي أكدت لي إن الرد اللي رد بيه عليها جوه الحمام كان وراه مصيبة، وإنه أخد حذره مني. فضلت قاعدة مراقبة كل حركة، ملامحه وهو بيبص في الشاشة، نظراته المشتتة.. وفي وسط السكوت ده، موبايله رن، وبصيت على الشاشة لقيت المتصل: “رؤوف أخويا”. مهند اتهز، وبصلي وقال وعينه بتلمع بلمعة غريبة:

ـ ده رؤوف.. بيقول إنهجاي في السكة هو ومراته يسلموا علينا ويقعدوا معانا شوية!الكلمة وقعت عليا زي الصاعقة، بس ملامح وشي مفضـ,ـحتنيش. هزيت راسي وبسمة باردة اترسمت على شفايفي وقولتله:
ـ يا مرحب بيهم، البيت بيتهم.. ينوروا في أي وقت.
قمت من جنبه ودخلت المطبخ وأنا حاسة إن الأرض بتلف بيا. “جايين؟ هما جايين يقعدوا معايا في صالة واحدة؟” مسكت حافة الرخام وجسمي كله بيترعش. مهند كان واقف بره في الصالة، سامعة صوت خطواته الرايحة والجاية، وصوت تكتكة صوابعه على الشاشة اللي اتغير الباسورد بتاعها. الخاين كان بيرتب معاها اللقاء، أو يمكن بيحذرها!
مفيش نص ساعة والباب رن.

مهند جرى يفتح بلهفة غريبة، ودخل أخويا رؤوف وبشقاه وطيبته المعهودة، ووراها هي.. “الحية”. كانت داخلة ولابسة عباية شيك ومتشيكة على الآخر، وفي عينها نظرة تحدي وشماتة لقطتها أول ما عينا جت في عين بعض.
رؤوف حضنّي وسلم عليا بحنية وقال:
ـ وحشاني يا أميرة يا حبيبتي، قولت لنهى لازم نعدي على أميرة ومهند النهاردة نغير جو.
بصيت لنهى مرات أخويا، ولقيتها بتبتسم وبتقول بنبرة صفرا:
ـ أه والله يا أميرة، قولت لـ رؤوف مهند وأميرة مبيستغنوش عننا، واللمة مأحلاها معاهم.

في اللحظة دي، مهند اتمطّع في المشية وقرب مني، وحاوط كتفي بإيده وضغط عليها وهو بيبص لنهى عين عين، وقال بنبرة صوت عالية ومليانة دلع مصطنع:
ـ طبعاً يا جماعة تنوروا، بس أميرة قلبي تعبانة النهاردة ومخلتهاش تلمس حاجة في المطبخ.. الأميرة متتعبش، أنا طلبت دليفري محترم يليق بيكم ويليق بهانم البيت.
أنا كنت واقفة وسطهم حاسة إني في مسرحية هزلية. نهى أول ما سمعت كلامه، وشها اتقلب وألوانه اتخـ,ـطفت، وضغطت على شنطتها بإيدها وعينها لمعت بكسرة وغل مش طبيعي.. كأنها بتقوله: “بعد كل اللي بعتهولي الصبح، لسه بتدلعها قدامي؟”

أما مهند، فكان باصص لنهى بنظرة غامضة، نظرة فيها عتاب وفي نفس الوقت فيها رغبة في إحباطها وقهرها، كأنه بيعاقبها على إنها سابته واتجوزت أخويا.
رؤوف أخويا ضحك بطيبته وقال:
ـ ربنا يخليك ليها يا مهند يا أصيل، أنا مطمن على أميرة طول ما هي معاك.
الكلمة دي قطعت في فروة راسي. بصيت لمهند اللي وش خطفه الارتباك لثانية من كلمة رؤوف، وبصيت لنهى اللي كانت هتمـ,ـوت من الغيظ، وقولت في سري: “اللعبة بدأت تسخن.. وإنتوا الاتنين اللي هتحرقوا بعض بإيديكم، وأنا اللي هبقى المتفرجة.”
قعدنا كلنا في الصالة، والأكل جه واترص على الترابيزة.

كنت شامة ريحة الخـ,ـيانة والغل مغطية على ريحة الأكل، بس فجأة حسيت بقوة غريبة جواه.. الضعف والخوف اتمسحوا، وحل مكانهم رغبة عارمة في إني أرد لهم القلم قلمين، ومن غير ما يلمسوا مني شعرة شك واحدة.
بصيت لنهى اللي كانت قاعدة بتاكل بنص نفس وعينها مشقلقة على مهند، وبصيت لمهند اللي كان بيحاول يتجنب يبصلها بس ملامحه متوترة. قولت في سري: “بقى إنتوا بتلعبوا بيا؟ طيب وربنا لأوريكم اللعب على أصوله.”
قربت من مهند أوي، ولزقت كتفي في كتفه، ورفعت إيدي وبكل رقة حطيت حتة فرخة في بوقه وقولت بنبرة صوت ناعمة ومليانة حنية مبالغ فيها:

ـ دوق دي كده يا حبيبي.. من غيرك الأكل ملوش طعم والله، ربنا ما يحرمني من دخلتك عليا بالدنيا.
مهند اتنفض في مكانه ثانية، وبصلي وعينه مبرقة ومستغربة جداً! هو عارف إن طبعي أهدى من كده ومبشيلش الأكل لأقرب الناس في بوقهم قدام حد، نظرة عينه كانت بتقول: “إيه التحول المفاجئ ده؟” بس الخاين طبعاً لازم يجاري اللعبة عشان يثبت لنهى إنه عايش حياته ومبسوط.
بلع الأكل بسرعة وابتسم ابتسامة عريضة وحاوط وسطي بإيده وقال:
ـ تسلم إيدك يا قلبي، مطرح ما يسري يمري.. إنتي اللي محلية دنيتي كلها.

في اللحظة دي، أنا مكنتش ببحلق في مهند، أنا عيني كانت مثبتة على وش نهى. الست دي وشها جاب ألوان؛ الشوكة وقعت من إيدها على الطبق وعملت رنة، وشفايفها بدأت تترعش من كتر الغيظ والغيرة.
رؤوف أخويا ضحك من قلبه وقال وهو بيبص لمراته:
ـ شايفه يا نهى الحب؟ اتعلمي بقى ودلـ,ـعيني زي مهند وأميرة كده، ربنا يهنيكم يا حبايبي.
نهى اتعصبت وضغطت على سنانها وقالت بنبرة صفرا كلها سم:
ـ ما شاء الله يا رؤوف، ربنا يهني سعيد بسعيدة..

بس يا أميرة يا حبيبتي، العين دايماً تفلق الحجر، بلاش المظاهر دي قدام الناس حتى لو كنا إحنا، داري على شمعتك تقيد.
ضحكت ضحكة عالية ورجعت ضهري لورا بثقة وقولت وأنا باصة في عينها مباشرة:
ـ ومين قالك إنها مظاهر يا نهى؟ ده العادي بتاعنا جوه وبره، وبعدين مهند مش محتاج شمعة، مهند قايدلي صوابعه العشرة شمع.. صح يا حبيبي؟ ولا إنت بتعمل كده قدام رؤوف بس؟

السؤال نزل على مهند زي المية الساقعة، اتهز وبصلي بارتباك واضح، بس لقى نفسه مجبر يكمل عشان شكله قدام رؤوف وقدام البنت اللي كان بيمـ,ـوت فيها، فقال بسرعة وهو بيضغط على إيدي:
ـ طبعاً يا أميرة، ده إنتي ست البنات والبيت كله بتاعك والي يأمر بيه قلبك يتنفذ فوراً.
نهى قامت وقفت فجأة وهي بتقول بنبرة مخنوقة وعينها مليانة دموع غل:
ـ أنا.. أنا قايمة أغسل إيدي.. الشقة حر أوي يا رؤوف.

مشيت بسرعة على الحمام، وفي اللحظة دي مهند عينه راحت وراها بلهفة وقلق مش قاد يداريهم، وبصلي بنظرة كلها شك وتساؤل، كأنه بيحاول يقرا دماغي وعاوز يعرف أنا بعمل كده عن قصد ولا دي قفشة حب بجد؟
ابتسمتله أوسع وقولتله بصوت واطي:
ـ مالك يا مهند؟ وشك اتخـ,ـطف ليه؟
مهند اتهز من سؤالي، وبلع ريقه وهو بيحاول يداري ارتباكه، وقال بصوت متقطع:
ـ لأ.. لأ يا حبيبتي مفيش، هكون اتخطفت من إيه بس؟ أنا فرحان بيكي وبكلامك.
مرت السهرة وأنا ضاغطة على أعصابهم هما الاتنين؛

كل شوية أكلم مهند بنعومة وأطلب منه طلب، وهو يجاري وهو قرفان من نفسه ومستغربني، ونهى قاعدة جنب رؤوف هتنفجر من الغيظ لحد ما شدته وقالتله إنها تعبانة وعاوزه تمشي.
أول ما الباب اتقفل وراهم، البيت ساد فيه سكوت غريب.. سكوت يوجع الرقبة.
مهند لف ضهره وبصلي، ملامحه فجأة اتقسمت مية حتة؛ الضحكة المصطنعة اختفت، وحل مكانها وش باهت، عينه مش قادرة تيجي في عيني، وشكله شايل هم جبل فوق كتافه. باين عليه إن رسايل نهى وكلامي النهاردة فوقوه على المصيبة اللي هو عاملها، وحس بالذنب.. حس إنه داس على واحدة ملهاش ذنب في انتقامه وغله.

قعد على الكنبة وحط راسه بين إيديه وهو بيتنهد تنهيدة طويلة. أنا كنت واقفة بعيد، باصة عليه ببرود وشماتة بس مدارياهم ورا وش هادي تماماً. أنا قارياه وعارفة البير وغطاه، وعارفة بالظبط إيه اللي بيدور في عقله دلوقتي.. الكلب عاوز ينهي اللعبة، عاوز يطلقني بس من غير ما يظهر في الصورة إنه ندل، وخايف يجـ,ـرحني وهو فاكرني دايبة في دباديبه وبمـ,ـوت فيه.
قربت منه ببطء، وقعدت على الكرسي اللي قصاده، وقولت بنبرة هادية وبراءة مصطنعة:
ـ مالك يا مهند؟ من ساعة ما رؤوف ومراته مشيوا وإنت قالب وشك ومش على بعضك.. في حاجة مضيقاك مني؟

رفع راسه وبصلي، وفي عينه نظرة كسر وندم حقيقي، صوته كان حزين وهو بيقول:
ـ أميرة.. أنا.. أنا عاوز أتكلم معاكي في موضوع مهم.. موضوع بيخصنا إحنا الاتنين.
فركت إيدي وعملت نفسي قلقانة وقولت:
ـ خير يا حبيبي؟ قلقتني.
بدأ يفرك إيديه في بعض وزفر ضيق، وقال وهو بيبص في الأرض:
ـ أميرة، إنتي بنت حلال وتستاهلي كل خير.. وإنتي عارفة إني من أول يوم عملتلك كل اللي تتمنيه، شقة وشبكة وفرح.. بس.. بس ساعات البني آدم بيحس إنه استعجل، أو إن في حاجة غلط في الحكاية.

كنت سامعاه وجوايا بضحك عليه وعلى عذابه، قولتله وأنا بمثل إن دموعي هتنزل:
ـ استعجلت؟ مش فاهمة يا مهند.. يعني إيه؟ إنت مش مبسوط معايا؟
اتنهد ووجعه زاد، والذنب كان بياكل في قلبه وهو شايفني “الضحية البريئة” اللي بتبكي بسببه، قال بسرعة وهو بيحاول يلطّف الكلام:
ـ لأ والله يا أميرة، العيب مش فيكي، إنتي ست البنات وأي حد يتمنى تراب رجليكي.. بس أنا حاسس إننا مش متفاهمين، حاسس إني مش قادر أديكي السعادة والاهتمام اللي تستاهليهم.. أنا مش عاوز أظلمك معايا يا أميرة، الانفصال ساعات بيبقى رحمة قبل ما ندخل في غريق ونكره بعض.

كان بيتكلم وعينه بتترجاني أوافق أو أثور عشان يخلص من تأنيب الضمير اللي هيمـ,ـوته، بس أنا قولت في سري: “تنفصل بالسهولة دي يا مهند؟ وتطلع إنت المحترم اللي خايف عليا؟ لأ.. ده أنا هخليك تلف حوالين نفسك وتتعذب لحد ما أفرقع القنبلة في وشك إنت وهي.”
مسحت عيني بسرعة وقومت وقفت، وقولتله بنبرة مكسورة بس فيها تمسك بيه:
ـ انفصال يا مهند؟ بعد كل الحب والدلع اللي شوفته منك قدام أخويا النهاردة؟ لأ.. أنا مستحيل أفرط فيك، أنا هصبر معاك لحد ما الغمة دي تزول ونفهم بعض أكتر.. أنا بحبك يا مهند ومقدرش أعيش من غيرك.

أول ما نطقت كلمة “بحبك ومقدرش أعيش من غيرك”، شفت وش مهند اتقلب إزاي؛ ملامحه اتجمدت وعينه برّقت برعب، وحس إن حبل المشنقة لفت حوالين رقبته أكتر، وبقى مش عارف ينطق ولا يقول إيه بعد ما قفلت عليه كل أبواب الهروب!

مرت الأيام والأسابيع، وأنا عايشة معاهم في لعبة الشطرنج دي، حاطة رجل على رجل وبحرك القطع من بعيد ومن غير ما حد يحس بيا. كنت شايفة مهند وهو بيتدبل ويمـ,ـوت في جلده كل يوم من تأنيب الضمير، والحيّة التانية عمالة تكل بأسنانها في طوب البيت عند أخويا. كنت عارفة، ومتأكدة بالملي، إن نهى هي اللي هتطلب الطلاق الأول.. الغيرة عمتها، وفاكرة إن مهند مستنيها على نار ومجهز لها الجنة اللي أنا قاعدة فيها.

وفعلاً، بدأت تعمل مشاكل من الهوا مع رؤوف. كل يوم خناقة، وكل يوم حوار، تضغط عليه بالطلبات، وتهمل في بيتها وفي شكلها وفي عيالها، وتسمعه كلام يسم البدن، لحد ما جابت آخره. أخويا طيب ومستحمل عشان العيال، لولا العيال دي كان رماها من زمان لأنها كانت زوجة مهملة لأبعد حد، بيت يضـ,ـرب يقلب، وعيال متبهدلة، وهي موراهاش غير الموبايل والغل اللي بياكل في قلبها. وفي الآخر، لما ضيقت عليه الدنيا وطلبتها صريحة، رؤوف كرامته نقحت عليه ومبقاش قادر يستحمل القـ,ـرف ده.. وطلقها.

أول ما عرفت خبر طلاقها، قعدت في صالتنا وابتسمت ابتسامة نصر. قولت: “جه دورك يا مهند.” تاني يوم بالظبط، دخل مهند البيت ووشه ميريحش. كان باين عليه إنه عرف، وإن نهى كلمته وقالتله “أنا اتطلقت.. نفذ وعدك بقا”. قرب مني، وكان بيتنفض، عينه في الأرض وهو بيقول بصوت مخنوق: ـ أميرة.. أنا مش قادر أكمل. أنا بجد بظلمك معايا، وكل يوم بيمر وأنا حاسس إني بمـ,ـوت لأني مش قادر أحبك بالشكل اللي تستاهليه. خلينا نطلق بالمعروف.. ومش هبخصك في أي حاجة من حقوقك.

بصيتله بنظرة طويلة، نظرة لمت فيها كل التمثيل الباكي اللي عملته الأسابيع اللي فاتت، وقولتله بنبرة هادية وباردة جداً نزلت عليه زي الس*كينة: ـ وأنا موافقة يا مهند.. مش هجبرك تعيش معايا. هو اتمطّع وبصلي بذهول، مكنش مصدق إن الموافقة هتيجي بالسهولة دي بعد ما كنت بقوله مقدرش أعيش من غيرك. حس براحة ميكس بالذنب، وفضل يبصلي وهو فاكرني الملاك البريء، المظلومة الغلبانة اللي اتداس عليها وهي مش فاهمة حاجة.

وفعلاً، الطلاق تم في هدوء، واداني كل حقوقي وزيادة، مؤخر وشبكة وعفش، كأنه بيشتري ذمته بالفلوس عشان يريح ضميره اللي واجعه. وأنا أخدت كل حاجة ودمعتي مانزلتش.. لأن العوض الحقيقي كان في كسر عينهم هما الاتنين. سبته على عماه.. سيبته يروح “لوهم عمره” من غير ما أنطق بكلمة واحدة عن حقيقة نهى. مكنتش بحكيله هي قد إيه ست مهملة ومقرفة في عيشتها، ولا قولتله على الفضايح والخناقات اللي كانت بتعملها مع أخويا وتطرد فيها أهلها من بيتها، ولا عن قلة نظافتها وسواد قلبها اللي خلى أخويا يكره اليوم اللي شافها فيه.

سيبته يروح يتجوزها وهو فاكر إنه رايح ياخد “الملكة” اللي اتحرم منها، وقولت في سري وأنا بقفل باب بيتي ورايا: “روح لها يا مهند.. اتجوز حب عمرك، واتفاجئ بقا بالمقبرة اللي هتعيش فيها.. إنت وهي تستاهلوا بعض بالظبط.”

مرت الشهور، وأنا بدأت أرتب حياتي من جديد. الصدمة اللي كانت هتنشف دمي في الأول، بقت هي السبب في إني أقف على رجلي بقلب حجر. رجعت عشت مع رؤوف أخويا، وكنت واخدة بالي من عياله ومنه، وبحاول أعوضه عن الأيام السودة اللي شافها مع الحية. رؤوف كان فاكر إن حظنا وحش إحنا الاتنين في الجواز، ومكنش يعرف إن حظه هو بدأ يتعدل من يوم ما الحرباء دي خرجت من حياته.

طبعاً، مهند مكدبش خبر. أول ما شهور العدة بتاعت نهى خلصت، جرى واتجوزها. كان فاكر إنه بيكتب قصة حب أسطورية، وإنه أخيراً فاز بـ “حب عمره” اللي ضحى عشاني وعشان أخويا عشان يوصلها. وطبعاً، اتجوزها في السر في الأول عشان خايف من مواجهة رؤوف، وميعرفش إن رؤوف أصلاً كان رامي طوبتها ومفكرش فيها ثانية. لكن المكتوب ملوش هروب، والنوعية اللي زي نهى مابتتغيرش. بعد الجواز بكام شهر، بدأت الأخبار تتسرب ليا من بعيد لبعيد عن طريق معارف مشتركين، وكنت بسمع وأنا حاطة رجل على رجل وبشرب قهوتي بمزاج.

الصدمة الأولى لمهند كانت في البيت.. مهند اللي متعود على النظافة والنظام، واللي كان دايماً مخليني “هانم” في بيتي والشقة متوضبة سوبر لوكس، لقى نفسه داخل على زريبة! نهى اللي كانت بتتشيك بس وهي خارجة عشان تكيد الناس، طلعت مبتطقش تمسك مقشة ولا تنضف طبق. الأكل دليفري طول الوقت، والبيت ريحته تقرف، والطلبات والوز الع العمال على بطال مبيخلصش. والألعن من كده، إن الغيرة والشك اللي كانوا عمينها عليا وعلى غيري، دارت بيهم عليه هو! بقت تفتش وراه، وتقلب في موبايله، وتعمله خناقات من الهوا على كل نزلة وطلعة، كأنها بتشرب من نفس الكأس اللي شربتهولي.

وفي يوم، وأنا قاعدة مع رؤوف في الصالة والعيال بيلعبوا حوالينا في هدوء وأمان، موبايل رؤوف رن. لقى المتصل رقم غريب، فتح الخط وسمعنا صوت مهند.. بس مكنش صوت مهند بتاع زمان، الواثق، البارد. كان صوته مكسور، تعبان، وفي نبرته كمية ندم تخلي الصخر يرق. قال لـ رؤوف بصوت مخنوق: ـ رؤوف.. أنا عارف إن ماليش عين أكلمك، وعارف إن اللي عملته في حقك وفي حق أختك يخليني مستاهلش حتى السلام.. بس أنا كنت مغمى على عيني، واتعاقبت. أنا اطلقت نهى النهاردة يا صاحبي.. اطلقتها بعد ما ورتني النجوم في عز الظهر، وعرفت قيمتكم وقيمة نظافتكم وأصلكم الطيب.

رؤوف بصلّي باستغراب وهو مش فاهم مهند بيتكلم عن إيه بالظبط، لأن رؤوف ميعرفش حكاية الرسالة القديمة. لكن أنا أخدت الموبايل من إيد أخويا، وحطيته على ودني، وقولت بنبرة هادية وثابتة هزت كيانه: ـ مبروك يا مهند.. الطلاق دايماً بيبقى رحمة، مش إنت اللي قولتلي الكلمة دي يوم ما طلقتني عشان متظلمنيش؟ اشرب بقى من الـ “رحمة” دي لوحدك. قفلت السكة في وشه، وبصيت لـ رؤوف اللي كان بيبصلي بذهول، وابتسمت ابتسامات صافية لأول مرة من شهور.. اللعبة خلصت، والعدالة الربانية خلصت حقي وحق أخويا من غير ما نوسخ إيدينا بيهم.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0