رؤوف فضّل باصصلي وعينه مبرقة من الذهول، مكنش مستوعب النبرة اللي كلمت بيها مهند ولا فاهم إيه اللي جاب نهى لمهند أصلاً. سكت ثانية وبعدين سألني بصوت حيريان: ـ أميرة.. هو في إيه بالظبط؟ وإيه اللي جاب مهند لنهى؟ وهو بيتأسف على إيه؟ قعدت جنبه، وأخدت نفس طويل، وحسيت إن الحمل اللي كان كاتم على نفسي طول الشهور اللي فاتت دي خلاص انزاح. مبقاش في داعي للمداراة، اللعبة خلصت والكل اتكشف.
حكيتله كل حاجة.. من أول يوم ما راح عليا نومة وشفت الرسالة على الواتساب، لرد فعله جوه الحمام وتغيير الباسورد، للمسرحية اللي عيشتهم فيها يوم ما جوم زارونا والغل اللي كان قايد في قلب مراته، لحد يوم ما جالي يطلب الطلاق وهو عامل فيها الشهم اللي خايف يظلمني. رؤوف كان بيسمعني وملامحه بتتغير مية حتة؛ عروق جبهته برزت وإيده اتشدت على يد الكنبة كأنه عاوز يكسرها، وعينه دمعت من كتر القهرة على نفسه وعلى أخته اللي اتغفلت من أقرب الناس ليه. قام وقف وهو بيصرخ:
ـ الكلب! الواطي! بقى صاحبي وعمرى يعمل فيا وفي أختي كده؟ وهي.. الحية دي كانت بتخونني معاه وتدبر لطلاقها؟ أنا هروح أدفنهم هما الاتنين! قمت بسرعة، ومسكت إيده وقعدته تاني وقولتله بمنتهى البرود والثقة: ـ تدفن مين يا رؤوف؟ وتوسخ إيدك في ناس متسواش ليه؟ هما خلاص ادفنوا بالحيا! مهند كلمك وهو مكسور، طالع من الجوازة دي شاحذ كرامته، وخسر صاحبه وأهله وخسر الفلوس اللي دفعها في المهر والشبكة وفي حقوقي اللي أخدتها منه تالت ومتلت. ونهى اتطلقت للمرة التانية وبقت في نظر الكل ست ميتعاش معاها وفضايحها وإهمالها بقوا على كل لسان.
بصيت في عينه وكمّلت: ـ ربنا جاب لنا حقنا تالت ومتلت ومن غير ما نرفع إيدينا عليهم. هما حـ,ـرقوا بعض بغلهم، وإحنا طلعنا منها كسبانين.. إنت خلصت من زواجة سودة كانت هتدمر بقية عمرك، وأنا ربنا كشفلي حقيقته بدري وأخدت كل حقوقي المادية وعلمت عليهم هما الاتنين. رؤوف سكت، وبدأ النفس العالي بتاعه يهدى، وبص لعياله اللي كانوا قاعدين بيلعبوا في هدوء، وحس فجأة بإن كلامي صح.. إن العوض الحقيقي هو الأمان المحاوطنا دلوقتي في البيت.
مرت الأيام، وبقيت بشتغل وبطور من نفسي، وحياتي بقت أحسن بمليون مرة من عيشتي مع واحد بارد بيمثل عليا الحب. وكل ما بفتكر الدبلة والشبكة والتمثيلية، ببتسم وبحمد ربنا إن في الآخر.. “يمهل ولا يهمل”، والنفوس الخبيثة دايماً بتقع في شر أعمالها. رؤوف أخد نفس طويل، ورما ضهره لورا وهو بيهز راسه كأنه بيفوق من كابوس طويل، وبصلي ونظرة الفخر مغطية على ملامحه وقالي: ـ “والله يا أميرة طلعتي بمية راجل.. أنا لو كنت عرفت وقتها كنت هضيع نفسي وهضيعكم، بس عقلك هو اللي نجانا.”
ابتسمتله وطبطبت على إيده، وقومت دخلت أوضتي. وقفت قدام المراية وبصيت لوشي.. مكنتش شايفة البنت المكسورة اللي كانت بتبكي من كام شهر على غدر جوزها وصاحب أخوها، كنت شايفة ست قوية، حطت كرامتها فوق كل شيء وعرفت تاخد حقها بحرفنة تدرس. قعدت على مكتبي وفجأة حسيت بطاقة غريبة جوايا، طاقة عاوزة تطلع في كتابة، في رواية جديدة. مسكت قلمي وفتحت كشكول الذكريات، وكتبت في أول الصفحة عنوان بالخط العريض: **”البرزخ”**.
قررت أكتب حكايتهم، حكاية النفوس اللي عايشة في برزخ بين الغل والغيرة، النفوس اللي فاكرة إنها تقدر تخدع ربنا والناس، وفي الآخر بتقع في البير اللي حفرته لغيرها. الحكاية مكنتش حكايتي أنا وبس، دي بقت رواية هحكي فيها للعالم كله إزاي الست لما تقرر تاخد حقها بعقلها، بتقلب الطاولة على الكل وتخرج هي الكسبانة. تليفوني رن وكان إشعار من جروب القراء بتوعي على المنصات بيسألوني: “فين الرواية الجديدة يا كاتبتنا؟”
ابتسمت بثقة، وبدأت أكتب أول مشهد.. وأنا عارفة إن المرة دي، الكلمات مش مجرد خيال، دي حقيقة عشتها وغلبت فيها بامتياز. سيبت مهند ونهى ياكلوا في نفسهم وفي ندمهم، والتفتّ لمستقبلي وحياتي اللي لسه بتبدأ، وأنا كلي يقين إن اللي جاي دايماً هو العوض الحقيقي والمكسب النضيف.