في اللحظة دي، دخلت ممرضة وقالت
الحاجة رجاء فاقت… وبتسأل عليك.
جري عليها فورًا.
أول ما شافته، دموعها نزلت.
قالت بصوت متقطع
اسمعني كويس… البيت اللي تعبت عمري فيه… مش هو السبب.
انحنى ناحيتها وقال
أمال إيه؟
ردت وهي بتتنفس بصعوبة
تحت البيت…
سكتت لحظة، وكأنها بتحارب علشان تكمل.
في حاجة… أبوك خبّاها قبل ما يمـ,ـوت… ومن يومها وهما بيطاردوني.
اتسعت عيون موريس.
مين هما؟
لكن قبل ما تنطق بالحرف الأول…
انطفأت أنوار الغرفة كلها.
وغرقت المستشفى في ظلام كامل.
بعد ثوانٍ قليلة اشتغل نور الطوارئ الأحمر، ولون الممرات كلها بقى مرعب.
سمع صوت صرخة جاية من آخر الدور.
خرج يجري…
وفجأة لمح شخصًا لابس بالطو أسود خارجًا مسرعًا من غرفة أمه.
اندفع خلفه بكل قوته، لكن الرجل ركب المصعد قبل ما يوصل.
ضغط موريس على زر الاستدعاء بعصبية، لكن المصعد كان نزل بالفعل.
رجع يركض إلى غرفة أمه…
فاتجمد مكانه.
السرير كان فاضي…
وأمه اختفت.
لكن على المخدة، كانت فيه ورقة واحدة فقط، مكتوب عليها بخط واضح
لو عايز تشوف أمك حية… متفتحش باقي الرسائل موريس خطف الورقة بإيده، ولف بعينيه في أوضة المستشفى كلها.
المحلول مقطوع.
السرير فاضي.
وشباك الأوضة مفتوح رغم إنه في الدور التالت.
جرى ينادي
أمن! حد يخلي كل الأبواب تتقفل!
بدأت حالة استنفار في المستشفى، لكن كاميرات المراقبة كانت المفاجأة الأكبر.
موظف الأمن قال وهو بيبص للشاشة باستغراب
الغريب… محدش خرج من الأوضة.
إزاي يعني؟!
الكاميرا سجلت إنك دخلت… وبعدها الكهرباء قطعت… ولما رجعت، الأوضة كانت فاضية.
حس موريس إن حد بيلعب بعقله.
افتكر الموبايل القديم.
بص للرسائل… وإصبعه وقف فوق الرسالة اللي بعدها.
تردد ثواني…
لكن في الآخر فتحها.
كانت رسالة صوتية مدتها دقيقة و ثانية.
أول ما اشتغلت، سمع صوت أمه وهي بتعيط
يا موريس… لو سمعت الرسالة دي، يبقى أنا مقدرتش أهرب. متثقش في أي حد من العيلة… حتى اللي بيبانوا واقفين جنبك.
وفجأة انقطع صوتها…
ودخل صوت راجل خشن قال
خلاص… كفاية تسجيل.
بعدها سمع صوت خبطة قوية… والرسالة انتهت.
موريس حس بقشعريرة في جسمه.
في نفس اللحظة، وصله إشعار إن فيفي فتحت موبايلها بعد ما كان مقفول.
اتصل فورًا.
المرة دي ردت.
لكن اللي رد مكانها… كان طفل صغير.
قال بصوت مرعوب
عمو موريس… الحق… خالتي مربوطة… وفي ناس هنا…
وقبل ما يكمل…
اتسمع صوت تكسير، وبعده صرخة عالية.
والخط اتقفل مرة تانية.
موريس خرج يجري من المستشفى من غير ما يفكر.
ركب عربيته وانطلق ناحية بيت أخته بأقصى سرعة.
لكن أول ما وصل آخر الشارع…
شاف بيت فيفي محاصر بعربيتين سودا من غير لوحات.
ورجالة واقفين قدام الباب، كأنهم كانوا مستنيين حد يوصل.
أحدهم رفع رأسه، وبص مباشرة ناحية موريس…
وبابتسامة باردة، قال بصوت وصل له رغم بُعد المسافة
اتأخرت… دلوقتي الدور عليك موريس ما فكرش لحظة.
أول ما الراجل قال دلوقتي الدور عليك.، ضغط فرامل العربية قبل البيت بحوالي خمسين متر، وطفي الأنوار.
كان فاهم إن أي حركة متهورة ممكن تقـ,ـتل أمه أو أخته.
نزل بهدوء، واستخبى ورا سور بيت قديم، وبدأ يراقب.
بعد دقايق، خرج راجلين شايلين شخص متغطي ببطانية، وحطوه في شنطة العربية السودا.
حاول يقرب أكتر…
لكن سمع صوت حد بيقول
فتشوا الشارع… موريس أكيد هيظهر.
رجع لورا بسرعة قبل ما حد يلمحه.
وفي اللحظة دي، موبايله اهتز.
رقم غريب.
رد وهو ساكت.
جاله نفس الصوت الخشن اللي كان في الرسالة الصوتية.
قال
بتدور على أمك؟
موريس ضغط على سنانه وقال
إنت مين؟
ضحك الراجل وقال
السؤال الصح… إنت أبوك كان مخبي إيه؟
وقبل ما موريس يرد، الراجل كمل
زمان أبوك كان فاكر إنه أذكى من الكل… وخلى الحاجة رجاء تحرس السر بعد مـ,ـوته.
سكت ثانية، ثم قال
دلوقتي قدامك اختيار واحد… يا تنسى كل اللي حصل، يا هتدفن أمك وأختك بإيدك.
واتقفل الخط.
موريس كان هينهار من الغضب، لكنه لمح حاجة لفتت نظره.
واحد من الرجالة وهو بيقفل شنطة العربية، وقع منه ظرف بني على الأرض من غير ما يحس.
استنى لحد ما العربيتين اتحركوا واختفوا من آخر الشارع.
جري بسرعة، وخطف الظرف.
فتحه…
لقى جواه مجموعة صور قديمة.
أول صورة كانت لأبوه واقف قدام بيتهم وهو بيبتسم.
الصورة التانية كانت لأمه وهي شايلة صندوق خشب صغير.
أما الصورة التالتة…
فخلت أنفاسه تقف.
كانت صورة لفيفي…
لكن الصورة متصورة من أكتر من عشرين سنة، وهي طفلة، واقفة جنب راجل غريب، وخلف الصورة مكتوب بخط واضح
دي مش بنتنا… دي مفتاح المصيبة.
موريس قلب الصورة بإيد مرتعشة، فلقى جملة تانية مكتوبة بقلم أزرق باهت
لو وصلت للصورة دي… يبقى الوقت جه تعرف الحقيقة اللي اتدفـ,ـنِت مع أبوك موريس فضل يبص للصورة وكأن الأرض اتسحبت من تحت رجليه.
دي مش بنتنا…
الجملة كانت كافية تهز كل ذكرياته.
فيفي أكبر منه بثلاث سنين… كبرت معاه، وأمه كانت تعاملها بنفس الحب، وأبوه عمره ما فرّق بينهم.
إزاي تكون مش بنتهم؟
قلب الظرف مرة تانية، فلقى مفتاح نحاس صغير، محفور عليه نفس الرقم اللي كان على المفتاح اللي لقه مع أمه…
17.
اتسعت عينيه.
يبقى المفتاحين مش صدفة…
هما لطريق واحد.
في اللحظة دي، افتكر كلام أمه
تحت البيت…
من غير تردد، ركب عربيته واتجه ناحية بيت العيلة القديم.
البيت كان مقفول من شهور، ومن بعد اختفاء أمه محدش دخله.
كسر القفل ودخل.
ريحة الرطوبة والتراب كانت مالية المكان.
سلط كشاف الموبايل على أرضية الصالة.
فضل يدور لحد ما لمح بلاطة لونها مختلف عن باقي البلاط.
ركع على ركبته، وخبط عليها.
طلع صوتها أجوف.
جاب عتلة قديمة من المخزن، وبعد محاولات قدر يرفع البلاطة.
تحتها كان فيه صندوق حديد صغير.
ابتسم لأول مرة من ساعة ما بدأت الكارثة.
طلع المفتاح رقم 17…
لفه في القفل.
تك.
الصندوق اتفتح.
لكن بدل ما يلاقي فلوس أو دهب…
لقى دفتر قديم، وفلاشة إلكترونية، ورسالة مكتوب عليها
إلى ابني موريس… لو بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا فشلت أحميكم.
إيده كانت بتترعش وهو بيفتح الرسالة.
قرأ أول سطر…
الحقيقة اللي هتعرفها هتخليك تشك في كل الناس… حتى في أمك.
وقبل ما يكمل…
سمع صوت باب البيت بيتقفل بقوة.
رفع رأسه بسرعة.
كان فيه صوت خطوات بطيئة جاية من الطرقة.
خطوة…
ثم خطوة…
ثم خطوة…
لحد ما وقف صاحبها قدام باب الصالة، وقال بصوت هادئ جدًا
سيب الرسالة مكانها يا موريس… لأنها مكتوبة علشان توقعك، مش علشان تنقذك موريس لفّ بسرعة، ماسك العتلة بإيده.
في ضوء الكشاف الخافت، ظهر راجل في أواخر الستينات، لابس جلابية رمادي، ووشه مليان تجاعيد، لكن عينيه كانوا ثابتين بشكل غريب.
قال موريس بحدة
إنت مين؟
الراجل رفع إيده بهدوء.
أنا عارف إنك مش هتصدقني… لكن لو كنت عايز أقـ,ـتلك، كنت عملتها من أول ما دخلت البيت.
موريس ما نزلش العتلة.
قول اللي عندك.
بص الراجل على الصندوق المفتوح وقال
أبوك كتب رسالتين… مش رسالة واحدة.
يعني إيه؟
واحدة ليك… وواحدة للي هيلاقي الصندوق قبلك.
اتجمد موريس.
مين لقى الصندوق؟
الراجل رد من غير تردد
فيفي.
وقع الكلام عليه كالصاعقة.
مستحيل… الصندوق كان مقفول.
ابتسم الراجل ابتسامة حزينة.
لأنه اتقفل تاني. هي فتحته من أسبوع، وصورت كل اللي فيه، وخدت حاجة واحدة بس… الفلاشة الأصلية.
موريس نزل بعينه على الفلاشة اللي في إيده.
الراجل هز رأسه.
دي نسخة.
فتح موريس الرسالة بسرعة، وبدأ يقلب صفحات الدفتر.
لكن معظم الصفحات كانت ممزقة بعناية، وكأن حد نزع منها أهم جزء.
وفي آخر الدفتر، لقى ورقة صغيرة مكتوب فيها
لو الفلاشة دي وصلت ليك، اعرف إن الأصل اتسـ,ـرق. النسخة دي فيها نص الحقيقة بس.
قبل ما يستوعب الكلام، سمع صوت عربية وقفت قدام البيت.
بعدها مباشرة…
نور كشافات قوية دخل من الشباك.
ثم صوت رجالة
فتشوا البيت… هو جوه.
الراجل العجوز قرب من موريس بسرعة وقال
معاك دقيقة واحدة.
أهرب منين؟
شد سجادة قديمة من الأرض.
تحتها ظهر باب خشبي صغير مخفي.
ده نفق قديم كان أبوك عامله من سنين.
موريس بص له باستغراب.
وإنت تعرف كل ده ليه؟
تنهد الراجل وقال
لأن السر اللي بتدور عليه… أنا كنت شاهد عليه من أول يوم.
وفي اللحظة نفسها…
اتكسر باب البيت الرئيسي بصوت مرعب، وسمعوا حد بيصرخ
لقيناه… اقفلوا كل المخارج!موريس من غير تفكير، شال الدفتر والفلاشة وحطهم في جيبه، ونزل مع الراجل العجوز من الباب الخشبي قبل ما يوصلوا للصالة بثوانٍ.
أول ما قفلوا الباب فوقهم…
اتسمع صوت أقدام بتجري، وبعدها صوت واحد من الرجالة وهو بيقول
الصندوق مفتوح!
ورد عليه التاني بغضب
فتشوا البيت حتة حتة… الحاجة أكيد لسه هنا.
حبس موريس نفسه.
النفق كان ضيق جدًا، وسقفه واطي، وريحة التراب والرطوبة تخنق.
فضلوا يمشوا حوالي عشر دقايق، لحد ما وصلوا لغرفة حجرية صغيرة تحت الأرض.
فيها ترابيزة قديمة، ولمبة جاز، وخزانة حديد.
الراجل العجوز ولع اللمبة، وبص لموريس وقال
قبل ما تسمع أي حاجة… لازم تعرف إن فيفي مش هي اللي بدأت كل ده.
قطب موريس حاجبيه.
يعني بعد اللي عملته في أمي… لسه بتدافع عنها؟
هز الراجل رأسه.
أنا ما بدافعش… أنا بقول الحقيقة.
فتح الخزانة، وطلع منها ملف أصفر مترب.
فتح أول صفحة.
كانت صورة لأب موريس… وبجانبه ثلاثة رجال.
من بينهم…
موريس عرف واحد فورًا.
الدكتور اللي كشف على أمه في المستشفى.
شهق وقال
مستحيل… ده الدكتور!
الراجل العجوز رد بهدوء
عشان كده قلتلك… متثقش في حد.
قلب الصفحة اللي بعدها…
لقوا كشف تحويلات مالية، وأسماء، وتواريخ راجعة لأكثر من عشرين سنة.
وفي آخر الصفحة اسم واحد متكرر عشرات المرات.
رجاء.
أمه.
وقبل ما يسأل أي سؤال…
سمعوا صوت خبطات جاية من آخر النفق.
مرة…
واتنين…
وتلاتة…
ثم صوت حد بيصرخ
إحنا عرفنا مكانكم… افتحوا الباب، وإلا هننسفه فوق دماغكم!
الراجل العجوز بص لموريس بعين مليانة خوف لأول مرة، وقال
واضح إن حد خانّا… والسؤال دلوقتي هو مين عرف مكان النفق؟موريس بص حواليه بسرعة.
مفيش غيره هو والراجل العجوز.
ومفيش أي وسيلة يعرف بيها حد مكان النفق… إلا لو حد كان متابعه من أول ما دخل البيت.
قرب من باب الغرفة الحجرية، وطفي لمبة الجاز.
الظلام بقى كامل.
صوت الخبط برّه زاد قوة، وبعدها سمعوا صوت معدن بيتقطع.
همس الراجل العجوز
مش هيمدينا أكتر من دقيقتين.
موريس رد وهو بيخرج الفلاشة من جيبه
إيه اللي عليها يستاهل كل ده؟
تنهد الراجل وقال
الأدلة… أسماء الناس اللي شاركت في الجريمة، وتسجيلات، ومستندات. لكن النسخة اللي معاك ناقصة، وفيها جزء متشفر.
وفين الجزء التاني؟
سكت الراجل لحظة، ثم قال
مع فيفي.
اتسعت عينا موريس.
يعني هي متورطة ولا بتحاول تحميه؟
أجاب العجوز بصوت منخفض
من يوم اختفاء أمك… محدش بقى عارف هي مع مين.
وقبل أن يكمل…
رن موبايل موريس.
رقم غير مسجل.
تردد، ثم رد.
جاله صوت فيفي… لكنها كانت بتبكي بشدة.
موريس… اسمعني وماتقفلش.
صرخ فيها
إنتِ فين؟! أمي فين؟
قالت وهي تلهث
أنا غلطت… بس مش زي ما إنت فاكر. كانوا مهدديني بابني، وأجبروني أكذب عليك.
قبض على الموبايل بقوة.
مين هما؟
وقبل أن ترد…
سمع صوت راجل بعيد بيصرخ
خدي منه التليفون!
صرخت فيفي
إوعى تروح للمخزن القديم عند الترعة… ده فخ…
ثم انقطع الخط فجأة.
في نفس اللحظة، وصلته رسالة نصية من نفس الرقم.
فتحها بسرعة.
كانت مجرد إحداثيات، وتحتها جملة واحدة
لو عايز تشوف الحقيقة بعينك… تعالى لوحدك.
رفع موريس رأسه نحو الراجل العجوز.
لكن اتجمد مكانه…
لأن الراجل كان واقف، ووجهه شاحب، وعينه مثبتة على شاشة الموبايل.
همس بصوت مرتعش
الإحداثيات دي…
سأله موريس بسرعة
مالها؟
رد وهو يبتلع ريقه
دي مش بتاعة المخزن… دي مكان البئر اللي اختفى فيه أبوك من عشرين سنة موريس حس إن قلبه وقف لحظة.
أبويا… اختفى؟!
بص للراجل العجوز بذهول.
طول عمري فاكر إنه مات في حادث!
خفض العجوز رأسه وقال
وده اللي خلوك تصدقه.
اتراجع موريس خطوة، وهو يحاول يستوعب اللي بيسمعه.
يعني… أبويا ما ماتش؟
اللي شافوه يومها كان عربية محرـ,ـوقة… لكن محدش شاف الجـ,ـثة. ومن ساعتها اتقيدت القضية ضد مجهول، والكل اقتنع إنه مات.
قبل ما يكمل كلامه، دوى انفجار خفيف عند مدخل النفق، ووقع تراب من السقف.
العجوز صاح
لازم نخرج حالًا!
جروا في آخر النفق، لحد ما وصلوا لباب حديد قديم.
فتحوه بصعوبة…
ولقوا نفسهم في مخزن مهجور، مليان أدوات زراعية صدئة.
خرجوا منه، وكانت الدنيا لسه بتمطر.